فصل: تفسير الآيات رقم (148- 151)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏137- 141‏]‏

‏{‏وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ‏(‏137‏)‏ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ‏(‏138‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏139‏)‏ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏140‏)‏ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ‏(‏141‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَأَوْرَثْنَا القوم‏}‏ يعني‏:‏ بني إسرائيل ‏{‏الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ‏}‏ أي يذلون ويمتهون بالخدمة لفرعون وقومه ‏{‏مشارق الأرض ومغاربها‏}‏ منصوبان بأورثنا‏.‏ وقال الكسائي والفراء‏:‏ إن الأصل في مشارق الأرض ومغاربها، جهات مغربها، ثم حذفت في فنصبا‏.‏ والأوّل أظهر، لأنه يقال أورثته المال‏.‏ والأرض هي مصر والشام، ومشارقها جهات مشرقها‏.‏ ومغاربها، وهي التي كانت لفرعون وقومه من القبط‏.‏ وقيل‏:‏ المراد جميع الأرض؛ لأن داود وسليمان من بني إسرائيل، وقد ملكا الأرض‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏التى بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ صفة للمشارق والمغارب‏.‏ وقيل‏:‏ صفة الأرض‏.‏ والمباركة فيها إخراج الزرع والثمار منها على أتمّ ما يكون، وأنفع ما يتفق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى‏}‏ أي مضت واستمرت على التمام، والكلمة هي‏:‏ ‏{‏وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 5‏]‏، وهذا وعد من الله سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء والاستيلاء على أملاكهم‏.‏ و‏{‏الحسنى‏}‏ صفة للكلمة‏.‏ وهي تأنيث الأحسن‏.‏ وتمام هذه الكلمة ‏{‏على بَنِى إسراءيل‏}‏ بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من فرعون وقومه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ‏}‏ التدمير الإهلاك، أي أهلكنا بالخراب ما كانوا يصنعونه من العمارات ‏{‏وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ‏}‏ قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم «يعرشُون» بضم الراء‏.‏ قال الكسائي‏:‏ هي لغة تميم‏.‏ وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «يُعَرّشون» بتشديد الراء وضم حرف المضارعة‏.‏ وقرأ الباقون بكسر الراء مخففة، أي ما كانوا يعرشونه من الجنات، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات وَغَيْرَ معروشات‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 141‏]‏ وقيل‏:‏ معنى يعرشون يبنون، يقال عرش يعرش أي بنى يبني‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر‏}‏ هذا شروع في بيان ما فعله بنو إسرائيل بعد الفراغ مما فعله فرعون وقومه‏.‏ ومعنى جاوزنا ببني إسرائيل البحر‏:‏ جزناه بهم وقطعناه‏.‏ وقرئ «جوزنا» بالتشديد، وهو بمعنى قراءة الجمهور ‏{‏فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي «يعكفون» بكسر الكاف، وقرأ الباقون بضمها‏.‏ يقال عكف يعكف، ويعكف بمعنى أقام على الشيء ولزمه، والمصدر منها عكوف‏.‏ قيل‏:‏ هؤلاء القوم الذين آتاهم بنو إسرائيل هم من لخم كانوا نازلين بالرقة، كانت أصنامهم تماثيل بقر‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا من الكنعانيين ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي بنو إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل ‏{‏ياموسى اجعل لَّنَا إلها‏}‏ أي صنماً نعبده كائناً كالذي لهؤلاء القوم، فالكاف متعلق بمحذوف وقع صفة ل ‏{‏إلهاً‏}‏، فأجاب عليهم موسى، و‏{‏قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏}‏ وصفهم بالجهل، لأنهم قد شاهدوا من آيات الله ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله‏.‏ ولكن هؤلاء القوم، أعني بني إسرائيل، أشد خلق الله عناداً وجهلاً وتلوّناً‏.‏

وقد سلف في سورة البقرة بيان ما جرى منهم من ذلك‏.‏ ثم قال لهم موسى ‏{‏إِنَّ هَؤُلآء‏}‏ يعني القوم العاكفين على الأصنام ‏{‏مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ‏}‏ التبار‏:‏ الهلاك‏.‏ وكل إناء منكسر فهو متبر، أي أن هؤلاء هالك ما هم فيه مدمّر مكسر‏.‏ والذي هم فيه هو‏:‏ عبادة الأصنام‏.‏ أخبرهم بأن هذا الدين الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمّر لا يتمّ منه شيء‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم للأصنام‏.‏ قال في الكشاف‏:‏ وفي إيقاع ‏{‏هؤلاء‏}‏ اسماً لإن، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها، وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرّضون للتبار، وأنه لا يعدوهم ألبتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحبوا‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها‏}‏ الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي كيف أطلب لكم غير الله إلها تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي البعض منه‏؟‏ والمعنى‏:‏ أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبداً‏.‏ وإدخال الهمزة على ‏{‏غير‏}‏ للإشعار بأن المنكر هو كون المبتغى غيره سبحانه إلها، و‏{‏غير‏}‏ مفعول للفعل الذي بعده‏.‏ و‏{‏إلها‏}‏ تمييز أو حال‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين‏}‏ في محل نصب على الحال، أي‏:‏ والحال أنه فضلكم على العالمين من أهل عصركم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، وإخراجكم من الذلّ والهوان إلى العزّ والرفعة، فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره‏؟‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ‏}‏ أي‏:‏ واذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون، بعد أن كانوا مالكين لكم، يستعبدونكم فيما يريدونه منكم، ويمتهنونكم بأنواع الامتهانات‏.‏ هذا على أن هذا الكلام محكيّ عن موسى‏.‏ وأما إذا كان في حكم الخطاب لليهود الموجودين في عصر محمد، فهو بمعنى‏:‏ اذكروا إذ أنجينا أسلافكم من آل فرعون‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب‏}‏ في محل نصب على الحال، أي أنجيناكم من آل فرعون حال كونهم ‏{‏يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب‏}‏‏.‏ ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه مما أنجاهم منه‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ‏}‏ مفسرة للجملة التي قبلها، أو بدل منها، وقد سبق بيان ذلك‏.‏ والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏وَفِى ذلكم‏}‏ إلى العذاب‏:‏ أي في هذا العذاب، الذي كنتم فيه ‏{‏بَلاء‏}‏ عليكم ‏{‏مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏ وقيل‏:‏ الإشارة إلى الإنجاء، والبلاء النعمة، والأوّل أولى‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏مشارق الأرض ومغاربها التى بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ قال‏:‏ الشام‏.‏ وأخرج هؤلاء عن قتادة مثله‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم نحوه‏.‏

وأخرج أبو الشيخ، عن عبد الله بن شوذب، قال‏:‏ هي فلسطين‏.‏ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى‏}‏ قال‏:‏ ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ‏}‏ قال‏:‏ يبنون‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ‏}‏ قال‏:‏ لخم وجذام‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، في الآية قال‏:‏ تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر‏.‏ فذلك كان أوّل شأن العجل ليكون لله عليهم الحجة، فينتقم منهم بعد ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة، فقلت‏:‏ يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ‏{‏اجعل لنا إلها كما لهم آلهة‏}‏ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم» وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه مرفوعاً، وكثير ضعيف جدّاً‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏مُتَبَّرٌ‏}‏ قال‏:‏ خسران‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال‏:‏ هلاك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏

‏{‏وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏142‏)‏‏}‏

هذا من جملة ما كرّم الله به موسى عليه السلام وشرفه‏.‏ والثلاثين هي ذو القعدة، والعشر هي عشر ذي الحجة ضرب الله هذه المدّة موعداً لمناجاة موسى ومكالمته‏.‏ قيل‏:‏ وكان التكليم في يوم النحر‏.‏ والفائدة في ‏{‏فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً‏}‏ مع العلم بأن الثلاثين والعشر أربعون ليلاً يتوهم وأن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن العشر غير الثلاثين، و‏{‏أربعين ليلة‏}‏ منصوب على الحال، أي فتمّ حال كونه بالغاً أربعين ليلة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ موسى لأخِيهِ هارون اخلفنى فِى قومي‏}‏ أي‏:‏ كن خليفتي فيهم‏.‏ قال موسى هذا لما أراد المضيّ إلى المناجاة ‏{‏وَأَصْلِح‏}‏ أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم، والرفق بهم، وتفقد أحوالهم ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين‏}‏ أي‏:‏ لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عوناً للظالمين‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، من طرق، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وواعدنا موسى‏}‏ الآية، قال‏:‏ ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن مجاهد مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية، قال‏:‏ إن موسى قال لقومه‏:‏ إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف هارون فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه، زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري قد أبصر جبريل، فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب، ثم ذكر قصة السامريّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏143- 147‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏143‏)‏ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏144‏)‏ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏145‏)‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏146‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

اللام في ‏{‏لميقاتنا‏}‏ للاختصاص، أي كان مجيئه مختصاً بالميقات المذكور، بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود ‏{‏وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ‏}‏ أي أسمعه كلامه من غير واسطة‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ‏}‏ أي، أرني نفسك أنظر إليك‏:‏ أي سأله النظر إليه اشتياقاً إلى رؤيته لما أسمعه كلامه‏.‏ وسؤال موسى للرؤية يدلّ على أنها جائزة عنده في الجملة‏.‏ ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها‏.‏ والجواب بقوله‏:‏ ‏{‏لَن تَرَانِى‏}‏ يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه، أو أنه لا يرى ما دام الرائي حياً في دار الدنيا‏.‏ وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة، ومنهج الحق واضح‏.‏ ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه آباءه وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق، وهو يظنّ أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم‏.‏ وما أقلّ المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع فإنه صار بها باب الحقّ مرتجاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه، والهداية منه‏:‏

يأبى الفتى إلا اتباع الهوى *** ومنهج الحق له واضح

وجملة‏:‏ ‏{‏قَالَ لَن تَرَانِى‏}‏ مستأنفة، لكونها جواباً لسؤال مقدّر، كأنه قيل‏:‏ فما قال الله له‏؟‏ والاستدراك بقوله‏:‏ ‏{‏ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى‏}‏ معناه أنك لا تثبت لرؤيتي، ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرماً وصلابة وقوّة، وهو الجبل، فانظر إليه ‏{‏فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ‏}‏ ولم يتزلزل عند رؤيتي له ‏{‏فَسَوْفَ تَرَانِى‏}‏ وإن ضعف عن ذلك، فأنت منه أضعف‏.‏ فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل‏.‏ وقيل‏:‏ هو من باب التعليق بالمحال‏.‏ وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدّمنا‏.‏

وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتين المعتزلة والأشعرية‏.‏ فالمعتزلة استدلوا بقوله‏:‏ ‏{‏لَن تَرَانِى‏}‏، وبأمره بأن ينظر إلى الجبل‏.‏ والأشعرية قالوا‏:‏ إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدلّ على أنها جائزة غير ممتنعة‏.‏ ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله‏.‏ والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في الدنيا، فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة، وكلامهم فيها معروف‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا‏}‏ تجلى معناه‏:‏ ظهر، من قولك جلوت العروس، أي أيرزتها‏.‏

وجلوت السيف‏:‏ أخلصته من الصدأ، وتجلى الشيء‏:‏ انكشف‏.‏ والمعنى‏:‏ فلما ظهر ربه للجبل جعله دكاً‏.‏ وقيل المتجلي‏:‏ هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره‏.‏ والدك مصدر بمعنى المفعول، أي جعله مدكوكاً مدقوقاً فصار تراباً، هذا على قراءة من قرأ ‏{‏دكاً‏}‏ بالمصدر‏.‏ وهم أهل المدينة وأهل البصرة‏.‏ وأما على قراءة أهل الكوفة «جَعَلَهُ دَكَّاء» على التأنيث، والجمع دكاوات، كحمراء وحمراوات، وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض، أو للأرض المستوية‏.‏ فالمعنى‏:‏ أن الجبل صار صغيراً كالرابية، أو أرضاً مستوية‏.‏ قال الكسائي الدك‏:‏ الجبال العراض واحدها أدك‏.‏ والدكاوات جمع دكاء، وهي رواب من طين ليست بالغلاظ، والدكادك‏:‏ ما التبد من الأرض فلم يرتفع، وناقة دكاء‏:‏ لا سنام لها‏.‏

‏{‏وَخَرَّ موسى صَعِقًا‏}‏ أي مغشياً عليه مأخوذاً من الصاعقة‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له‏.‏ يقال صعق الرجل، فهو صعق ومصعوق، إذا أصابته الصاعقة ‏{‏فَلَمَّا أَفَاقَ‏}‏ من غشيته ‏{‏قَالَ سبحانك‏}‏ أي أنزهك تنزيهاً من أن أسأل شيئاً لم تأذن لي به ‏{‏تُبْتُ إِلَيْكَ‏}‏ عن العود إلى مثل هذا السؤال‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون‏.‏ وقيل‏:‏ هي توبة من قتله للقبطي، ذكره القشيري‏.‏ ولا وجه له في مثل هذا المقام ‏{‏وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين‏}‏ بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك‏.‏

وجملة ‏{‏قَالَ يَا موسى‏}‏ مستأنفة كالتي قبلها، متضمنة لإكرام موسى واختصاصه بما اختصه الله به‏.‏ والاصطفاء‏:‏ الاجتباء والاختيار، أي اخترتك على الناس المعاصرين لك برسالتي، كذا قرأ نافع، وابن كثير، بالافراد، وقرأ الباقون بالجمع‏.‏ والرسالة مصدر، والأصل فيه الإفراد‏.‏ ومن جمع فكأنه نظر إلى أن الرسالة هي على ضروب، فجمع لاختلاف الأنواع‏.‏ والمراد بالكلام هنا‏:‏ التكليم‏.‏ امتنّ الله سبحانه عليه بهذين النوعين العظيمين من أنواع الإكرام، وهما الرسالة والتكليم من غير واسطة، ثم أمره بأن يأخذ ما آتاه، أي أعطاه من هذا الشرف الكريم، وأمره بأن يكون من الشاكرين على هذا العطاء العظيم، والإكرام الجليل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الألواح مِن كُلّ شَئ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَئ‏}‏ من كل شيء أي من كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم‏.‏ وهذه الألواح‏:‏ هي التوراة‏.‏ قيل‏:‏ كانت من زمردة خضراء‏.‏ وقيل‏:‏ من ياقوتة حمراء، وقيل‏:‏ من زبرجد، وقيل‏:‏ من صخرة صماء‏.‏ وقد اختلف في عدد الألواح، وفي مقدار طولها وعرضها‏.‏ والألواح‏:‏ جمع لوح، وسمي لوحاً لكونه تلوح فيه المعاني‏.‏ وأسند الله سبحانه الكتابة إلى نفسه تشريفاً للمكتوب في الألواح، وهي مكتوبة بأمره سبحانه‏.‏ وقيل‏:‏ هي كتابة خلقها الله في الألواح‏.‏

و ‏{‏مِن كُلّ شَئ‏}‏ في محل نصب على أنه مفعول ‏{‏كَتَبْنَا‏}‏ و‏{‏مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً‏}‏ بدل من محل كل شيء، أي موعظة لمن يتعظ بها من بني إسرائيل وغيرهم، وتفصيلاً للأحكام المحتاجة إلى التفصيل ‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ خذ الألواح بقوّة، أي بجدّ ونشاط‏.‏ وقيل الضمير عائد إلى الرسالات، أو إلى كل شيء، أو إلى التوراة‏.‏ قيل‏:‏ وهذا الأمر على إضمار القول، أي فقلنا له خذها‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏فَخُذْهَا‏}‏ بدل من قوله‏:‏ ‏{‏فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ‏}‏ ‏{‏وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا‏}‏ أي بأحسن ما فيها بما أجره أكثر من غيره، وهو مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 55‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 18‏]‏، ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه، والعمل بالعزيمة دون الرخصة، وبالفريضة دون النافلة، وفعل المأمور به، وترك المنهيّ عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين‏}‏ قيل‏:‏ هي أرض مصر التي كانت لفرعون وقومه‏.‏ وقيل منازل عاد وثمود‏.‏ وقيل هي جهنم‏.‏ وقيل منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها‏.‏ وقيل الدار‏:‏ الهلاك‏.‏ والمعنى‏:‏ سأريكم هلاك الفاسقين‏.‏ وقد تقدّم تحقيق معنى الفسق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق‏}‏ قيل‏:‏ معنى ‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ‏}‏ سأمنعهم فهم كتابي‏.‏ وقيل‏:‏ سأصرفهم عن الإيمان بها‏.‏ وقيل‏:‏ سأصرفهم عن نفعها مجازاة على تكبرهم كما في قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها ولا يعتبروا بها‏.‏ واختلف في تفسير الآيات، فقيل هي المعجزات‏.‏ وقيل‏:‏ الكتب المنزلة‏.‏ وقيل‏:‏ هي خلق السموات والأرض، وصرفهم عنها أن لا يعتبروا بها‏.‏ ولا مانع من حمل الآيات على جميع ذلك حمل الصرف على جميع المعاني المذكورة‏.‏ و‏{‏بِغَيْرِ الحق‏}‏ إما متعلق بقوله‏:‏ ‏{‏يَتَكَبَّرُونَ‏}‏ أي يتكبرون بما ليس بحق، أو بمحذوف وقع حالاً، أي يتكبرون متلبسين بغير الحق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا‏}‏ معطوف على ‏{‏يتكبرون‏}‏ منتظم معه في حكم الصفة‏.‏ والمعنى‏:‏ سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات‏.‏ ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة، والآيات التكوينية، والمعجزات، أي لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت‏.‏ وقرأ مالك بن دينار «يروا» بضم الياء في الموضعين‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً‏}‏ معطوفة على ما قبلها داخلة في حكمها‏.‏ وكذلك جملة‏:‏ ‏{‏وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً‏}‏ والمعنى‏:‏ أنهم إذا وجدوا سبيلاً من سبل الرشد تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلاً من سبل الغيّ سلكوه واختاروه لأنفسهم‏.‏ قرأ أهل المدينة وأهل البصرة ‏{‏الرشد‏}‏ بضم الراء وإسكان الشين‏.‏ وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً بفتح الراء والشين‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال‏:‏ الرُّشد الصلاح والرُّشد في الدين‏.‏

قال النحاس‏:‏ سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد، كالسخط والسخط‏.‏ قال الكسائي‏:‏ والصحيح عن أبي عمرو، وغيره، ما قال أبو عبيدة‏.‏ وأصل الرشد في اللغة‏:‏ أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضدّ الخيبة، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى الصرف، أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، أو الإشارة إلى التكبر وعدم الإيمان بالآيات، وتجنب سبيل الرشد، وسلوك سبيل الغيّ، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره جملة‏:‏ ‏{‏بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ‏}‏ أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها‏.‏ والموصول في ‏{‏والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَاء الآخرة‏}‏ مبتدأ‏.‏ وخبره ‏{‏حَبِطَتْ أعمالهم‏}‏، والمراد بلقاء الآخرة لقاء الدار الآخرة‏:‏ أي لقائهم لها، أو لقائهم ما وعدوا به فيها على أن الإضافة إلى الظرف، وحباط الأعمال بطلانها، أي بطلان ما عملوه مما صورته صورة الطاعة، كالصدقة والصلة، وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم‏.‏ ويحتمل أن يراد أنها تبطل بعدما كانت مرجوّة النفع على تقدير إسلامهم، لما في الحديث الصحيح‏:‏ «أسلمت على ما أسفلت من خير» ‏{‏هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ من الكفر بالله، والتكذيب بآياته، وتنكب سبيل الحق، وسلوك سبيل الغيّ‏.‏

وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال‏:‏ لما كلم الله موسى قال‏:‏ يا ربّ أهكذا كلامك‏؟‏ قال‏:‏ يا موسى إنما أكلمك بقوّة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئاً‏.‏ وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات، من حديث جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لما كلم الله موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه، فقال له موسى‏:‏ يا ربّ، أهذا كلامك الذي كلمتني به‏؟‏ قال‏:‏ يا موسى إنما كلمتك بقوّة عشرة آلاف لسان، ولي قوّة الألسن كلها، وأقوى من ذلك‏.‏ فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا‏:‏ يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال‏:‏ لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقتل، في أحلا حلاوة سمعتموه، فذاك قريب منه وليس به» وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، قال‏:‏ إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء، فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد، إلا مات من نور ربّ العالمين‏.‏

وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ‏}‏ يقول‏:‏ أعطني أنظر إليك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية، قال‏:‏ لما سمع الكلام طمع في الرؤية‏.‏

وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال‏:‏ حين قال موسى لربه تبارك وتعالى ‏{‏رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ‏}‏ قال الله‏:‏ يا موسى إنك لن تراني، قال يقول‏:‏ ليس تراني ولا يكون ذلك أبداً، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال موسى ربّ إني أراك ثم أموت، أحبّ إليّ من أن لا أراك ثم أحيا، فقال الله لموسى‏:‏ يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد ‏{‏فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ‏}‏ يقول‏:‏ فإن ثبت مكانه لم يتضعضع، ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمتي ‏{‏فَسَوْفَ تَرَانِى‏}‏ أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل انهدّ بقوّته وشدته وعظمته، فأنت أضعف وأذلّ‏.‏

وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي في الكامل، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق، عن أنس بن مالك‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ‏{‏فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا‏}‏ قال هكذا، وأشار بأصبعيه ووضع إبهامه على أنملة الخنصر‏.‏ وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر‏.‏ فساخ الجبل ‏{‏وَخَرَّ موسى صَعِقًا‏}‏ وفي لفظ، فساخ الجبل في الأرض، فهو يهوى فيها إلى يوم القيامة، وهذا الحديث حديث صحيح على شرط مسلم‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال‏:‏ الجبل الذي أمره الله أن ينظر إليه الطور‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية، عن ابن عباس ‏{‏فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ‏}‏ قال‏:‏ ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ‏{‏جَعَلَهُ دَكّا‏}‏ قال‏:‏ تراباً ‏{‏وَخَرَّ موسى صَعِقًا‏}‏ قال‏:‏ مغشياً عليه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة بالمدينة‏:‏ أحد وورقان ورضوى، وبمكة‏:‏ حراء وثبير وثور» وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ «لما تجلى الله لموسى، تطايرت سبعة أجبل، ففي الحجاز خمسة منها، وفي اليمن اثنان، في الحجاز‏:‏ أحد وثبير وحراء وورقان، وفي اليمن‏:‏ حضور وصبر» وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن موسى لما كلمه ربه أحبّ أن ينظر إليه فسأله فقال‏:‏ ‏{‏لَن تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ‏}‏ قال‏:‏ فحفّ حول الجبل الملائكة، وحفّ حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحفّ حولهم بنار، ثم تجلى ربه للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكاً وخرّ موسى صعقاً، فلم يزل صعقاً ما شاء الله، ثم أفاق فقال‏:‏ سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن عليّ ابن أبي طالب، قال‏:‏ كتب الله الألواح لموسى، وهو يسمع صريف الأقلام في لوح‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثنى عشر ذراعاً» وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال كانوا يقولون كانت الألواح من ياقوتة‏.‏ وأنا أقول‏:‏ إنما كانت من زمرّد وكتابها الذهب، كتبها الله بيده، فسمع أهل السموات صريف الأقلام‏.‏

أقول‏:‏ رحم الله سعيداً، ما كان أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه، فمثله لا يقال بالرأي ولا بالحدس، والذي يغلب به الظن أن كثيراً من السلف رحمهم الله كانوا يسألون اليهود عن هذه الأمور‏.‏ فلهذا اختلفت واضطربت، فهذا يقول من خشب، وهذا يقول من ياقوت‏.‏ وهذا يقول من زمرّد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا يقول من برد، وهذا يقول من حجر‏.‏

وأخرج أبو الشيخ، عن السدي ‏{‏وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الألواح مِن كُلّ شَئ‏}‏ كل شيء أمروا به ونهوا عنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، مثله‏.‏ وقد اختلف السلف في المكتوب في الألواح اختلافاً كثيراً‏.‏ ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ذلك لعدم التنافي‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ‏}‏ قال بجدّ وحزم ‏{‏سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين‏}‏ قال‏:‏ دار الكفار‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه ‏{‏وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا‏}‏ قال‏:‏ أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس ‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ‏}‏ قال‏:‏ بطاعة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ بجدّ واجتهاد ‏{‏وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا‏}‏ قال‏:‏ بأحسن ما يجدون منها‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ‏{‏سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين‏}‏ قال‏:‏ مصيرهم في الآخرة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال‏:‏ منازلهم في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال‏:‏ جهنم‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال‏:‏ مصر‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله‏:‏ ‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي‏}‏ قال‏:‏ عن أن يتفكروا في آياتي‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج ‏{‏عَنْ ءاياتي‏}‏ قال‏:‏ عن خلق السموات والأرض، والآيات التي فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سفيان بن عيينة في الآية قال‏:‏ أنزع عنهم فهم القرآن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 151‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏148‏)‏ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏149‏)‏ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏150‏)‏ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ‏}‏ أي من بعد خروجه إلى الطور ‏{‏مِنْ حُلِيّهِمْ‏}‏ متعلق ب ‏{‏اتخذ‏}‏ أو بمحذوف وقع حالاً، و‏{‏من‏}‏ للتبعيض، أو للابتداء، أو للبيان‏.‏ والحلي جمع حلى‏.‏ وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة ‏{‏من حُلِّيهم‏}‏ بضم الحاء وتشديد الياء‏.‏ وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً بكسر الحاء‏.‏ وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء‏.‏ قال النحاس‏:‏ جمع حَلْيٍ وحُليٍ وحِلِى مثل ثدي وثدي وثدي، والأصل حلوى أدغمت الواو في الياء، فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمها على الأصل‏.‏ وأضيفت الحلي إليهم وإن كانت لغيرهم؛ لأن الإضافة تجوز لأدنى ملابسة، و‏{‏عِجْلاً‏}‏ مفعول ‏{‏اتخذ‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو بمعنى التصيير، فيتعدى إلى مفعولين ثانيهما محذوف‏:‏ أي اتخذوا عجلاً إلهاً‏.‏ و‏{‏جَسَداً‏}‏ بدل من عجلاً‏.‏ وقيل وصف له‏.‏ والخوار الصياح‏.‏ يقال خار يخور خوراً إذا صاح‏.‏ وكذلك خار يخار خواراً‏.‏ ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعاً، مع أنه اتخذه السامريّ وحده، لكونه واحداً منهم، وهم راضون بفعله‏.‏

روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة، قال السامري لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم‏:‏ إن معكم حلياً من حلي آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد، وخرجتم وهو معكم، وقد أغرق الله أهله من القبط، فهاتوها، فدفعوها إليه، فاتخذ منها العجل المذكور‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ‏}‏ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلهاً لا يقدر على تكليمهم، فضلاً عن أن يقدر على جلب نفع لهم، أو دفع ضرّ عنهم‏.‏ ‏{‏وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏ أي طريقاً واضحة يسلكونها ‏{‏اتخذوه وَكَانُواْ ظالمين‏}‏ أي اتخذوه إلهاً ‏{‏وَكَانُواْ ظالمين‏}‏ لأنفسهم في اتخاذه، أو في كل شيء‏.‏ ومن جملة ذلك هذا الاتخاذ‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ‏}‏ أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات، يقال للنادم المتحير قد سقط في يده‏.‏ قال الأخفش‏:‏ يقال سقط في يده وأسقط‏.‏ ومن قال ‏{‏سقط في أيديهم‏}‏ على البناء للفاعل، فالمعنى عنده‏:‏ سقط الندم‏.‏ وأصله أن من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعضّ يده غماً، فتصير يده مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها‏.‏ وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم‏:‏ معنى ‏{‏سقط في أيديهم‏}‏ أي في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال‏:‏ حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد، لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 10‏]‏ وأيضاً الندم وإن حلّ القلب، فأثره يظهر في البدن، لأن النادم يعضّ يده، ويضرب إحدى يديه على الأخرى، قال الله تعالى‏:‏

‏{‏فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 42‏]‏ ومنه‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 27‏]‏ أي‏:‏ من الندم‏.‏ وأيضاً النادم يضع ذقنه في يده‏.‏

‏{‏وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ‏}‏ معطوف على ‏{‏سقط‏}‏‏:‏ أي تبينوا أنهم قد ضلوا باتخاذهم العجل، وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه ‏{‏قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا‏}‏ قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعاً‏.‏ وقرأ الباقون بالتحتية، واللام للقسم، وجوابه‏:‏ ‏{‏لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين‏}‏ وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال‏.‏ وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى‏.‏ وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا‏}‏ هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه‏.‏ وانتصاب غضبان وأسفا على الحال، والأسف شديد الغضب‏.‏ قيل هو منزلة وراء الغضب أشدّ منه، وهو أسف وأسيف وأسفان وأسوف، قال ابن جرير الطبري‏:‏ أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا، فلذلك رجع وهو غضبان أسفاً‏.‏

‏{‏قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى‏}‏ هذا ذمّ من موسى لقومه، أي بئس العمل ما عملتموه من بعدي، أي من بعد غيبتي عنكم، يقال خلفه بخير وخلفه بشرّ، استنكر عليهم ما فعلوه، وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الانزجار والإيمان بالله وحده، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلوّن حالهم واضطراب أفعالهم‏.‏ ثم قال منكراً عليهم ‏{‏أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ‏}‏ والعجلة‏.‏ التقدّم بالشيء قبل وقته، يقال عجلت الشيء سبقته، وأعجلت الرجل حملته على العجلة، والمعنى‏:‏ أعجلتم عن انتظار أمر ربكم‏؟‏ أي ميعاده الذي وعدنيه، وهو الأربعون ففعلتم ما فعلتم‏.‏ وقيل معناه‏:‏ تعجلتم سخط ربكم‏.‏ وقيل معناه‏:‏ أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم‏.‏

‏{‏وَأَلْقَى الألواح‏}‏ أي طرحها لما اعتراه من شدّة الغضب والأسف، حين أشرف على قومه، وهم عاكفون على عبادة العجل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ‏}‏ أي أخذ برأس أخيه هارون، أو بشعر رأسه حال كونه يجرّه إليه فعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامريّ، ولا غيره ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل، فقال‏:‏ هارون معتذراً منه ‏{‏ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى‏}‏ أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين، استضعافهم لي، ومقاربتهم لقتلي‏.‏ وإنما قال ‏{‏ابن أمّ‏}‏ مع كونه أخاه من أبيه وأمه، لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه‏.‏ قرئ ‏{‏ابن أمّ‏}‏ بفتح الميم تشبيهاً له بخمسة عشر، فصار كقولك يا خمسة عشر أقبلوا‏.‏

وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد‏:‏ إن الفتح على تقدير يابن أما‏.‏ وقال البصريون هذا القول خطأ‏.‏ لأن الألف خفيفة لا تحذف، ولكن جعل الاسمين اسماً واحداً كخمسة عشر، واختاره الزجاج والنحاس‏.‏ وأما من قرأ بكسر الميم، فهو على تقدير ابن أمي، ثم حذفت الياء وأبقيت الكسرة، لتدل عليها‏.‏ وقال الأخفش وأبو حاتم‏:‏ ابن أمّ بالكسر، كما تقول يا غلام أقبل وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة‏.‏ وإنما هذا فيما يكون مضافاً إليك‏.‏ وقرئ ‏{‏ابن أمي‏}‏ بإثبات الياء‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأعداء‏}‏ الشماتة‏:‏ السرور من الأعداء بما يصيب من يعادونه مع المصائب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء» وهو في الصحيح‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

إذا ما الدهر جرّ على أناس *** كلاكله أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا

والمعنى‏:‏ لا تفعل بي ما يكون سبباً للشماتة منهم‏.‏ وقرأ مجاهد ومالك بن دينار «فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأعداء» بفتح حرف المضارعة، وفتح الميم، ورفع الأعداء على أن الفعل مسند إليهم، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله بي‏.‏ وروي عن مجاهد أنه قرأ «تُشْمِتْ» كما تقدّم عنه مع نصب الأعداء‏.‏ قال ابن جني‏:‏ والمعنى فلا تشمت بي أنت يا ربّ، وجاز هذا كما في قوله‏:‏ ‏{‏الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ ونحوه، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء، كأنه قال‏:‏ ولا تشمت يا ربّ بي الأعداء، وما أبعد هذه القراءة عن الصواب، وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين‏}‏ أي‏:‏ لا تجعلني بغضبك عليّ في عداد القوم الظالمين، يعني الذين عبدوا العجل، أو لا تعتقد أني منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ اغفر لِي وَلأَخِي‏}‏ هذا كلام مستأنف جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل‏:‏ فماذا قال موسى بعد كلام هارون هذا‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ اغفر لِى وَلأَخِي‏}‏ طلب المغفرة له أوّلاً، ولأخيه ثانياً، ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة، فكأنه تذمم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له، وطلب المغفرة من الله مما فرط منه في جانبه، ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير فيما يجب عليه من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم، ثم طلب إدخاله وإدخال أخيه في رحمة الله التي وسعت كل شيء، فهو ‏{‏أَرْحَمُ الرحمين‏}‏‏.‏

وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏واتخذ قَوْمُ موسى‏}‏ الآية، قال‏:‏ حين دفنوها ألقى عليها السامري قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال‏:‏ استعاروا حلياً من آل فرعون، فجمعه السامري فصاغ منه ‏{‏عِجْلاً‏}‏ فجعله ‏{‏جَسَداً‏}‏ لحماً ودماً ‏{‏لَّهُ خُوَارٌ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله‏:‏ ‏{‏خُوَارٌ‏}‏ قال‏:‏ الصوت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال‏:‏ خار العجل خورة لم يئن، ألم تر أن الله قال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ‏}‏‏.‏

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ‏}‏ قال‏:‏ ندموا‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس ‏{‏أَسَفاً‏}‏ قال‏:‏ حزينا‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن أبي الدرداء، قال‏:‏ الأسف منزلة وراء الغضب أشدّ من ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن محمد بن كعب، قال‏:‏ الأسف الغضب الشديد‏.‏

وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال‏:‏ لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عنه قال‏:‏ رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، قال‏:‏ لما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال‏:‏ كانت تسعة رفع منها لوحان وبقي سبعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين‏}‏ قال‏:‏ مع أصحاب العجل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏152- 154‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ‏(‏152‏)‏ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏153‏)‏ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب، والذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ هي إخراجهم من ديارهم‏.‏ وقيل‏:‏ هي الجزية، وفيه نظر لأنها لم تؤخذ منهم، وإنما أخذت من ذراريَهم‏.‏ والأولى أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا، لقوله‏:‏ ‏{‏فِي الحياة الدنيا‏}‏ وأن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهاً، لا لمن بعدهم من ذراريهم‏.‏ ومجرّد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من الله عليهم، وبه يصيرون أذلاء‏.‏ وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم، وبه يصبرون أذلاء‏.‏ وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا يصحّ تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، وهو لم يتعذر هنا ‏{‏وكذلك نَجْزِى المفترين‏}‏ أي‏:‏ مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين‏.‏ والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله من الله غضب وذلة في الحياة الدنيا‏.‏ وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه، وأن فيه ذلة بأيّ نوع كان ‏{‏والذين عَمِلُواْ السيئات‏}‏ أي‏:‏ سيئة كانت ‏{‏ثُمَّ تَابُواْ‏}‏ عنها ‏{‏مِن بَعْدِ‏}‏ عملها ‏{‏وَءامَنُواْ‏}‏ بالله ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا‏}‏ أي‏:‏ من بعد هذه التوبة، أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد تاب عنها فاعلها وآمن بالله ‏{‏لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب‏}‏ أصل السكوت‏:‏ السكون والإمساك، يقال جرى الوادي ثلاثاً ثم سكن، أي أمسك عن الجري‏.‏ قيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له‏:‏ قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك، فترك الإغراء وسكت‏.‏ وقيل‏:‏ هذا الكلام فيه قلب، والأصل‏:‏ سكت موسى عن الغضب، كقولهم أدخلت الإصبع الخاتم، والخاتم الإصبع‏.‏ وأدخلت القلنسوة رأسي، ورأسي القلنسوة‏.‏ وقرأ معاوية ابن قرّة «ولما سكن عن موسى الغضب»‏.‏ وقرئ ‏"‏ سكت وأسكت ‏"‏

‏{‏أَخَذَ الألواح‏}‏ التي ألقاها عند غضبه ‏{‏وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ‏}‏ النسخ نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر‏.‏ ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة، وللمنقول نسخة أيضاً‏.‏ قال القشيري‏:‏ والمعنى ‏{‏وَفِى نُسْخَتِهَا‏}‏ أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة ‏{‏هُدًى وَرَحْمَةً‏}‏‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ وفيما نسخ له منها، أي من اللوح المحفوظ‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ وفيما كتب له فيها هدى ورحمة، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه، وهذا كما يقال أنسخ ما يقول فلان، أي أثبته في كتابك‏.‏ والنسخة فعلة، بمعنى مفعولة كالخطبة‏.‏

والهدى ما يهتدون به من الأحكام، والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة‏.‏ واللام في ‏{‏لّلَّذِينَ هُمْ‏}‏ متعلقة بمحذوف، أي كائنة لهم أو لأجلهم، واللام في ‏{‏لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ‏}‏ للتقوية للفعل، لما كان مفعوله متقدّماً عليه، فإنه يضعف بذلك بعض الضعف‏.‏ وقد صرح الكسائي بأنها زائدة‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ هي لام الأجل، أي لأجل ربهم يرهبون‏.‏ وقال محمد بن يزيد المبرد‏:‏ هي متعلقة بمصدر الفعل المذكور، والتقدير‏:‏ للذين هم رهبتهم لربهم يرهبون‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أيوب، قال‏:‏ تلا أبو قلابة هذه الآية ‏{‏إِنَّ الذين اتخذوا العجل‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وكذلك نَجْزِى المفترين‏}‏ قال‏:‏ هو جزاء كل مفتر، يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال‏:‏ أعطى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة‏.‏ ولما جاء فرأى بني إسرائيل عكوفاً على العجل رمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هارون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع ‏{‏فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ مُّوسَى الغضب أَخَذَ الألواح وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ‏}‏ قال‏:‏ فيما بقي منها‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، قال‏:‏ كانت الألواح من زمرّد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل، وبقي الهدى والرحمة، وقرأ ‏{‏وكتبنا له في الألواح ‏[‏من كل شيء‏]‏ موعظة وتفصيلاً لكل شيء‏}‏ وقرأ ‏{‏ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة‏}‏ قال‏:‏ ولم يذكر التفصيل هاهنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 157‏]‏

‏{‏وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ‏(‏155‏)‏ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏156‏)‏ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا‏}‏ هذا شروع في بيان ما كان من موسى، ومن القوم الذين اختارهم، وسبعين مفعول ‏{‏اختار‏}‏، وقومه منصوب بنزع الخافض، أي من قومه على الحذف والإيصال، ومثله قوله الراعي‏:‏

اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم *** واعتل من كان يرجى عنده السول

يريد اخترتك من الناس، ومعنى ‏{‏لميقاتنا‏}‏ للوقت الذي وقتناه له، بعد أن وقع من قومه ما وقع‏.‏ والميقات الكلام الذي تقدم ذكره، لأن الله أمره أن يأتي إلى الطول في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل، كذا قيل‏.‏ والرجفة في اللغة‏:‏ الزلزلة الشديدة‏.‏ قيل‏:‏ إنهم زلزلوا حتى ماتوا، فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى‏}‏ قاله عليه السلام تحسراً وتلهفاً، لأن سبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 55‏]‏ على ما تقدّم في البقرة‏.‏ وقيل‏:‏ هؤلاء السبعون غير من قالوا‏:‏ ‏{‏أَرِنَا الله جَهْرَةً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏ بل أخذتهم الرجفة، بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل‏.‏ وقيل‏:‏ إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل، ولا نهوا السامريّ ومن معه عن عبادته، فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم‏.‏ والمعنى لو شئت إهلاكنا بذنوبنا قبل هذا الوقت اعترافاً منه عليه السلام بالذنب، وتلهفاً على ما فرط من قومه‏.‏ والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا‏}‏ للجحد، أي لست ممن يفعل ذلك، قاله ثقة منه برحمة الله‏.‏ والمقصود منه الاستعطاف والتضرّع‏.‏ وقيل‏:‏ معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا‏.‏ قال المبرد‏:‏ المراد بالاستفهام استفهام الإعظام كأنه يقول‏:‏ ‏[‏لا تهلكنا‏]‏ وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره‏.‏ ولكنه كقول عيسى‏:‏ ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 118‏]‏‏.‏ وقيل المراد بالسفهاء‏:‏ السبعون، والمعنى‏:‏ أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم ‏{‏أَرِنَا الله جَهْرَةً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏‏.‏ وقيل المراد بهم‏:‏ السامري وأصحابه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ‏}‏ أي ما الفتنة التي وقع فيها هؤلاء السفهاء إلا فتنتك التي تختبر بها من شئت، وتمتحن بها من أردت‏.‏ ولعله عليه السلام استفاد هذا من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فإنا قد فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 85‏]‏ ‏{‏تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء‏}‏ أي تضلّ بهذه الفتنة من تشاء من عبادك وتهدي بها من تشاء منهم، ومثله‏:‏ ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 7‏]‏، ثم رجع إلا الاستعطاف والدعاء فقال‏:‏ ‏{‏أَنتَ وَلِيُّنَا‏}‏ أي المتولي لأمورنا ‏{‏فاغفر لَنَا‏}‏ ما أذنبناه ‏{‏وارحمنا‏}‏ برحمتك التي وسعت كل شيء ‏{‏وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين‏}‏ للذنوب‏.‏

‏{‏واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً‏}‏ بتوفيقنا للأعمال الصالحة، أو تفضل علينا بإِفاضة النعم في هذه الدنيا من العافية، وسعة الرزق ‏{‏وَفِي الآخرة‏}‏ أي واكتب لنا في الآخرة الجنة بما تجازينا به، أو بما تتفضل به علينا من النعيم في الآخرة‏.‏

وجملة ‏{‏إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ‏}‏ تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة، والرحمة، والحسنة، في الدنيا وفي الآخرة، أي‏:‏ إنا تبنا إليك ورجعنا عن الغواية التي وقعت من بني إسرائيل‏.‏ والهود‏:‏ التوبة‏.‏ وقد تقدّم في البقرة‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء‏}‏ مستأنفة كنظائرها فيما تقدّم‏.‏ قيل المراد بالعذاب هنا‏:‏ الرجفة‏.‏ وقيل‏:‏ أمره سبحانه لهم بأن يقتلوا أنفسهم، أي ليس هذا إليك يا موسى، بل ما شئت كان، وما لم أشأ لم يكن‏.‏ والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته كل عذاب، ويدخل فيه عذاب هؤلاء دخولاً أوّلياً‏.‏ وقيل المراد‏:‏ من أشاء من المستحقين للعذاب، أو من أشاء أن أضله وأسلبه التوفيق ‏{‏وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئ‏}‏‏:‏ من الأشياء من المكلفين وغيرهم‏.‏ ثم أخبر سبحانه أنه سيكتب هذه الرحمة الواسعة ‏{‏لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ‏}‏ الذنوب ‏{‏وَيُؤْتُونَ الزكواة‏}‏ المفروضة عليهم ‏{‏والذين هُم بئاياتنا يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي يصدّقون بها ويذعنون لها‏.‏

ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة، ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال‏:‏ ‏{‏الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الأمى‏}‏ وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل‏.‏ والأمي‏:‏ إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب، وهم العرب، أو نسبة إلى الأم‏.‏ والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ المكتوب؛ وقيل نسبة إلى أمّ القرى، وهي مكة‏.‏

‏{‏الذي يجدونه‏}‏ يعني‏:‏ اليهود والنصارى، أي يجدون نعته ‏{‏مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل‏}‏ وهما مرجعهم في الدين‏.‏ وهذا الكلام منه سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون‏.‏ ثم وصف هذا النبيّ الذي يجدونه كذلك بأنه يأمر بالمعروف، أي بكل ما تعرفه القلوب، ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق ‏{‏وينهاهم عَنِ المنكر‏}‏ أي ما تنكره القلوب ولا تعرفه‏.‏ وهو ما كان من مساوئ الأخلاق‏.‏ قيل‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏يَأْمُرُهُم بالمعروف‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون‏}‏ كلام يتضمن تفصيل أحكام الرحمة التي وعد بها‏.‏ ذكر معناه الزجاج‏.‏ وقيل‏:‏ هو في محل نصب على الحال من النبيّ‏.‏ وقيل‏:‏ هو مفسر لقوله‏:‏ ‏{‏مَكْتُوبًا‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏يَحِلَّ لَهُمُ الطيبات‏}‏ أي المستلذات‏.‏ وقيل‏:‏ يحلّ لهم ما حرّم عليهم من الأشياء التي حرّمت عليهم بسبب ذنوبهم ‏{‏وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث‏}‏ أي المستخبئات كالحشرات والخنازير ‏{‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏}‏ الإصر الثقل، أي يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة‏.‏ وقد تقدّم بيانه في البقرة ‏[‏الآية‏:‏ 286‏]‏‏.‏

‏{‏والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم‏.‏ الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها ‏{‏فالذين ءامَنُواْ بِهِ‏}‏ أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏واتبعوه‏}‏ فيما جاء به من الشرائع ‏{‏وَعَزَّرُوهُ‏}‏ أي عظموه ووقروه، قاله الأخفش‏.‏ وقيل‏:‏ معناه منعوه من عدوّه، وأصل العزر‏:‏ المنع، وقرأ الجحدريّ «وعزروه» بالتخفيف ‏{‏ونصروه‏}‏ أي قاموا بنصره على من يعاديه ‏{‏واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ‏}‏ أي اتبعوا القرآن الذي أنزل عليه مع نبوّته‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتباعه بالعمل بسنته، مما يأمر به وينهى عنه، أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه، والإشارة ب ‏{‏أولئك‏}‏ إلى المتصفين بهذه الأوصاف ‏{‏هُمُ المفلحون‏}‏ الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏واختار موسى قَوْمَهُ‏}‏ الآية‏.‏ قال كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً، فاختار سبعين رجلاً فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا الله أن قالوا‏:‏ اللهم أعطنا مالم تعط أحداً من قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ‏}‏ ‏{‏إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ‏}‏ يقول‏:‏ إن هي إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ‏{‏لميقاتنا‏}‏ قال‏:‏ لتمام الموعد، وفي قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة‏}‏ قال‏:‏ ماتوا ثم أحياهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن أبي العالية، في قوله ‏{‏إن هي إلا فتنتك‏}‏ قال‏:‏ بليتك‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ‏{‏إن هي إلا فتنتك‏}‏ قال‏:‏ مشيئتك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال‏:‏ إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنما أخذتهم الرجفة، لأنهم لم يرضوا بالعمل ولم ينهوا عنه‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور، عنه، في قوله‏:‏ ‏{‏واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة‏}‏ فلم يعطها موسى ‏{‏قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏المفلحون‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله‏:‏ ‏{‏واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة‏}‏ قال‏:‏ فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ‏}‏ قال تبنا إليك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي وجزة السعدي، وكان من أعلم الناس بالعربية قال‏:‏ لا والله ما أعلمها في كلام العرب ‏{‏هدنا‏}‏؛ قيل فكيف قال ‏"‏ هدنا ‏"‏ بكسر الهاء، يقول‏:‏ مِلنا‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئ‏}‏ قال‏:‏ وسعت رحمته في الدنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة‏.‏ وأخرج مسلم وغيره، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق‏.‏ وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة ‏"‏ وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والطبراني، والحاكم، والضياء المقدسي، من حديث جندب بن عبد الله العجلي‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن السدي قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئ‏}‏ قال إبليس‏:‏ وأنا من الشيء‏.‏ فنسخها الله، فنزلت‏:‏ ‏{‏فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئ‏}‏ قال إبليس‏:‏ أنا من الشيء، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة‏}‏ قالت اليهود‏:‏ فنحن نتقي ونؤتي الزكاة، قال الله‏:‏ ‏{‏الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الأمى‏}‏ فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه‏.‏

وأخرج البزار في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال‏:‏ سأل موسى ربه مسئلة فأعطاها محمداً‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏واختار موسى قَوْمَهُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ‏}‏ فأعطى محمداً كل شيء سأل موسى ربه في هذه الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، في قوله‏:‏ ‏{‏فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ‏}‏ قال‏:‏ كتبها الله لهذه الأمة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال‏:‏ يتقون الشرك‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن النخعي في قوله‏:‏ ‏{‏النبى الأمى‏}‏ قال‏:‏ كان لا يقرأ ولا يكتب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال‏:‏ هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم‏.‏ وأخرج ابن سعد، والبخاري، والبيهقي في الدلائل، عن عطاء بن يسار قال‏:‏ لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن «ياأيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزى بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً»‏.‏

وأخرج ابن سعيد، والدارمي في مسنده، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن عبد الله بن سلام مثله‏.‏ وقد روي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ، وزيادة في بعض، ونقص في بعض عن جماعة‏.‏

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله‏:‏ ‏{‏وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات‏}‏ قال‏:‏ الحلال ‏{‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ‏}‏ قال‏:‏ التثقيل الذي كان في دينهم‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث‏}‏ قال‏:‏ كلحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرّمات من المآكل التي حرمها الله، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ‏}‏ قال‏:‏ هو ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏وَعَزَّرُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ عظموه ووقروه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏158‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏158‏)‏‏}‏

لما تقدّم ذكر أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم المكتوبة في التوراة والإنجيل، أمره سبحانه أن يقول هذا القول المقتضى لعموم رسالته إلى الناس جميعاً، لا كما كان غيره من الرسل عليهم السلام، فإنهم كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، و‏{‏جميعاً‏}‏ منصوب على الحال، أي حال كونكم جميعاً‏.‏ و‏{‏الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض‏}‏ إما في محل جرّ على الصفة للاسم الشريف، أو منصوب على المدح، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف‏.‏ وجملة ‏{‏لاَ إله إِلاَّ الله‏}‏ بدل من الصلة مقرر لمضمونها مبين لها، لأن من ملك السموات والأرض وما فيهما هو الإله على الحقيقة، وهكذا من كان يحيى ويميت هو المستحق لتفردّه بالربوبية ونفى الشركاء عنه‏.‏

والأمر بالإيمان بالله وبرسوله متفرع على ما قبله‏.‏ وقد تقدّم تفسير النبيّ الأميّ‏.‏ وهما وصفان لرسوله‏.‏ وكذلك‏:‏ ‏{‏الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته‏}‏ وصف له، والمراد بالكلمات ما أنزله الله عليه وعلى الأنبياء من قبله أو القرآن فقط‏.‏ وجملة ‏{‏واتبعوه‏}‏ مقررة لجملة ‏{‏فَآمِنُواْ بالله‏}‏، و‏{‏لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ علة للأمر بالإيمان والاتباع‏.‏

وقد أخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال‏:‏ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏‏.‏ والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة، فلا نطيل بذكرها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏يُؤْمِنُ بالله وكلماته‏}‏ قال‏:‏ آياته‏.‏ وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏{‏وكلماته‏}‏ قال‏:‏ عيسى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏159- 166‏]‏

‏{‏وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏159‏)‏ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏160‏)‏ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏161‏)‏ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ‏(‏162‏)‏ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏163‏)‏ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏164‏)‏ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏165‏)‏ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ‏(‏166‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمِن قَوْمِ مُوسَى‏}‏ لما قص الله علينا ما وقع من السامريّ وأصحابه، وما حصل من بني إسرائيل من التزلزل في الدين، قص علينا سبحانه أن قوم موسى أمة مخالفة لأولئك الذين تقدّم ذكرهم، ووصفهم بأنهم ‏{‏يَهْدُونَ بالحق‏}‏ أي يدعون الناس إلى الهداية حال كونهم متلبسين بالحق ‏{‏وَبِهِ‏}‏ أي‏:‏ بالحق ‏{‏يَعْدِلُونَ‏}‏ بين الناس في الحكم‏.‏ وقيل‏:‏ هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا‏}‏ الضمير يرجع إلى قوم موسى المتقدّم ذكرهم، لا إلى هؤلاء الأمة منهم الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، والمعنى‏:‏ صيرناهم قطعاً متفرّقة، وميزنا بعضهم من بعض‏.‏ وهذا من جملة ما قصه الله علينا من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، والمعنى‏:‏ أنه ميز بعضهم من بعض حتى صاروا أسباطاً كل سبط معروف على انفراده لكل سبط نقيب، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏ وقد تقدّم، وقوله‏:‏ ‏{‏اثنتى عَشْرَةَ‏}‏ هو ثاني مفعولي ‏{‏قطعنا‏}‏ لتضمنه معنى التصيير‏.‏ و‏{‏أسباطاً‏}‏ تمييز له أو بدل منه‏.‏ و‏{‏أُمَمًا‏}‏ نعت للأسباط أو بدل منه‏.‏ والأسباط جمع سبط‏:‏ وهو ولد الولد، صاروا اثنتي عشرة أمة من اثني عشر ولداً، وأراد بالأسباط القبائل، ولهذا أنث العدد، كما في قول الشاعر‏:‏

وإن قريشاً كلها عشر أبطن *** وأنت بريء من قبائلها العشر

أراد بالبطن القبيلة‏.‏ وقد تقدّم تحقيق معنى الأسباط في البقرة ‏[‏الآية‏:‏ 58‏]‏‏.‏ وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ «قطعناهم» مخففاً، وسماهم أمماً، لأن كل سبط كان جماعة كثيرة العدد، وكانوا مختلفي الآراء يؤمّ بعضهم غير ما يؤمه الآخر‏.‏

‏{‏وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ‏}‏ أي وقت استسقائهم له لما أصابهم العطش في التيه ‏{‏أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر‏}‏ تفسير لفعل الايحاء ‏{‏فانبجست‏}‏ عطف على مقدّر يدل عليه السياق، أي فضرب فانبجست، والانبجاس‏:‏ الانفجار، أي فانفجرت ‏{‏مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا‏}‏ بعدد الأسباط، لكل سبط عين يشربون منها ‏{‏قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ كل سبط منهم العين المختصة به التي يشرب منها‏.‏ وقد تقدّم في البقرة ما فيه كفاية مغنية عن الإعادة‏.‏ ‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام‏}‏ أي جعلناه ظللاً عليهم في التيه، يسير بسيرهم ويقيم بإقامتهم ‏{‏وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى‏}‏ أي‏:‏ الترنجبين والسماني كما تقدّم تحقيقه في البقرة ‏{‏كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم‏}‏ أي‏:‏ وقلنا لهم كلوا من المستلذات التي رزقناكم ‏{‏وَمَا ظَلَمُونَا‏}‏ بما وقع منهم من المخالفة وكفران النعم وعدم تقديرها حق قدرها ‏{‏ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ كان ظلمهم مختصاً بهم مقصوراً عليهم، لا يجاوزهم إلى غيرهم‏.‏

‏{‏وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ‏}‏ أي‏:‏ واذكر وقت قيل لهم هذا القول وهو ‏{‏اسكنوا هذه القرية‏}‏ أي‏:‏ بيت المقدس أو أريحاء‏.‏ وقيل غير ذلك مما تقدم بيانه ‏{‏وَكُلُواْ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ من المأكولات الموجودة فيها ‏{‏حَيْثُ شِئْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ في أيّ مكان شئتم من أمكنتها، لا مانع لكم من الأكل فيه ‏{‏وَقُولُواْ حِطَّةٌ‏}‏ قد تقدم تفسيرها في البقرة ‏[‏الآية‏:‏ 58‏]‏ ‏{‏وادخلوا الباب‏}‏ أي‏:‏ باب القرية المتقدمة حال كونكم ‏{‏سُجَّدًا‏}‏ أمروا بأن يجمعوا بين قولهم ‏{‏حطة‏}‏ وبين الدخول ساجدين‏.‏ فلا يقال كيف قدّم الأمر بالقول هنا على الدخول وأخّره في البقرة‏؟‏ وقد تقدّم بيان معنى السجود الذي أمروا به ‏{‏نَغْفر لَكُمْ خطيئاتكم‏}‏ جواب الأمر، وقرئ ‏"‏ خَطِيتِكُمْ ‏"‏، ثم وعدهم بقوله‏:‏ ‏{‏سَنَزِيدُ المحسنين‏}‏ أي‏:‏ سنزيدهم على المغفرة للخطايا بما يتفضل به عليهم من النعم‏.‏ والجملة استئنافية جواب سؤال مقدّر كأنه قيل‏:‏ فماذا لهم بعد المغفرة‏؟‏ ‏{‏فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ‏}‏ قد تقدّم بيان ذلك في البقرة ‏[‏الآية‏:‏ 59‏]‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مّنَ السماء‏}‏ أي‏:‏ عذاباً كائناً منها ‏{‏بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ بسبب ظلمهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر‏}‏ معطوف على عامل إذ المقدّر، أي اذكر إذ قيل لهم واسألهم، وهذا سؤال تقريع وتوبيخ، والمراد من سؤال القرية‏:‏ سؤال أهلها، أي اسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها المخالف لما أمرهم الله به‏.‏ وفي ضمن هذا السؤال فائدة جليلة، وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن اطلاعه لا يكون إلا بإخبار له من الله سبحانه، فيكون دليلاً على صدقه‏.‏

واختلف أهل التفسير في هذه القرية‏:‏ أيّ قرية هي‏؟‏ فقيل أيلة‏.‏ وقيل طبرية‏.‏ وقيل مدين‏.‏ وقيل إيليا‏.‏ وقيل قرية من قرى ساحل الشام التي كانت حاضرة البحر، أي التي كانت بقرب البحر‏.‏ يقال كنت بحضرة الدار، أي بقربها‏.‏ والمعنى‏:‏ سل يا محمد هؤلاء اليهود الموجودين عن قصة أهل القرية المذكورة‏.‏ قرئ ‏{‏واسألهم‏}‏ وقرئ «سلهم»‏.‏

‏{‏إِذْ يَعْدُونَ‏}‏ أي وقت يعدون، وهو ظرف لمحذوف دلّ عليه الكلام، لأن السؤال هو عن حالهم وقصتهم وقت يعدون‏.‏ وقيل‏:‏ إنه ظرف ل ‏{‏كانت‏}‏ أو ل ‏{‏حاضرة‏}‏‏.‏ وقرئ «يُعِدُّون» بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من الإعداد للآلة‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏يعدون‏}‏ بفتح الياء وسكون العين وضم الدال مخففة، أي يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه‏.‏ وقرئ «يعدّون» بفتح الياء والعين وضم الدال مشدّدة بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال‏.‏ والسبت‏:‏ هو اليوم المعروف وأصله السكون‏.‏ يقال سبت‏:‏ إذا سكن وسبت اليهود تركوا العمل في سبتهم، والجمع أسبت، وسبوت، وأسبات، وقرأ ابن السمفع في «الأسبات» على الجمع‏.‏

‏{‏إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ‏}‏ ظرف ل ‏{‏يعدون‏}‏‏.‏ والحيتان‏:‏ جمع حوت، وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان يوم السبت دون ما عداه‏.‏ و‏{‏يَوْمَ سَبْتِهِمْ‏}‏ ظرف ل ‏{‏تأتيهم‏}‏‏.‏ وقرئ «يوم أسباتهم» و‏{‏شُرَّعًا‏}‏ حال، وهو جمع شارع، أي ظاهرة على الماء‏.‏ وقيل رافعة رؤوسها‏.‏ وقيل‏:‏ إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش البيض‏.‏ قال في الكشاف‏:‏ يقال شرع علينا فلان إذا دنى منا وأشرف علينا، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا انتهى‏.‏ ‏{‏وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ لا يفعلون السبت، وذلك عند خروج يوم السبت لا تأتيهم الحيتان، كما كانت تأتيهم في يوم السبت ‏{‏كذلك نَبْلُوهُم‏}‏ أي‏:‏ مثل ذلك البلاء العظيم نبلوهم بسبب فسقهم‏.‏ والابتلاء الامتحان والاختبار‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ‏}‏ معطوف على ‏{‏إذ يعدون‏}‏ معمول لعامله، داخل في حكمه‏.‏ والأمة الجماعة، أي قالت جماعة من صلحاء أهل القرية لآخرين ممن كان يجتهد في وعظ المتعدّين في السبت حين أيسوا من قبولهم للموعظة، وإقلاعهم عن المعصية ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ مستأمل لهم بالعقوبة ‏{‏أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا‏}‏ بما انتهكوا من الحرمة، وفعلوا من المعصية، وقيل‏:‏ إن الجماعة القائلة ‏{‏لم تعظون قوماً‏}‏‏؟‏ هم العصاة الفاعلون للصيد في يوم السبت، قالوا ذلك للواعظين لهم حين وعظوهم‏.‏ والمعنى‏:‏ إذا علمتم أن الله مهلكنا كما تزعمون فلم تعظوننا‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ قال الواعظون للجماعة القائلين لهم ‏{‏لم تعظون‏}‏، وهم طائفة من صلحاء القرية على الوجه الأوّل، أو الفاعلين على الوجه الثاني ‏{‏مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ‏}‏ قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ‏{‏مَعْذِرَةً‏}‏ بالنصب، وهي قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع‏.‏ قال الكسائي‏:‏ ونصبه على وجهين‏:‏ أحدهما على المصدر، والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة، أي لأجل المعذرة‏.‏ والرفع على تقدير مبتدأ‏:‏ أي موعظتنا معذرة إلى الله، حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذين أوجبهما علينا، ولرجاء أن يتعظوا فيتقوا ويقلعوا عما هم فيه من المعصية‏.‏

قال جمهور المفسرين‏:‏ إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق‏:‏ فرقة عصت وصادت وكانت نحو سبعين ألفاً، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص، فقالت الطائفة التي لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا‏}‏ يريدون الفرقة العاصية ‏{‏الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ‏}‏ قالوا ذلك على غلبة الظنّ لما جرت به عادة الله من إهلاك العصاة أو تعذيبهم، من دون استئصال بالهلاك، فقالت الناهية‏:‏ موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون‏.‏ ولو كانوا فرقتين فقط ناهية غير عاصية، وعاصية لقال‏:‏ لعلكم تتقون‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر، ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض ‏{‏أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء‏}‏ أي‏:‏ الذين فعلوا النهي، ولم يتركوه ‏{‏وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ‏}‏ وهم العصاة المعتدون في السبت ‏{‏بِعَذَابِ بَئِيس‏}‏ أي‏:‏ شديد من بؤس الشيء يبؤس بأساً إذا اشتد، وفيه إحدى عشرة قراءة، للسبعة وغيرهم ‏{‏بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ‏}‏ أي‏:‏ بسبب فسقهم، والجار والمجرور متعلق بأخذنا ‏{‏فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏ أي‏:‏ تجاوزوا الحد في معصية الله سبحانه تمرّداً وتكبراً ‏{‏قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً‏}‏ أي‏:‏ أمرناهم أمراً كونياً لا أمراً قولياً، أي مسخناهم قردة‏.‏ قيل‏:‏ إنه سبحانه عذبهم أوّلاً بسبب المعصية، فلما لم يقلعوا مسخهم قردة‏.‏ وقيل‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏ تكرير لقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ‏}‏ للتأكيد والتقرير، وأن المسخ هو العذاب البئيس، والخاسئ الصاغر الذليل أو المباعد المطرود، يقال خسأته فخسئ، أي باعدته فتباعد‏.‏

واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينجح من العذاب إلا الفرقة الناهية التي لم تعص لقوله‏:‏ ‏{‏أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء‏}‏ وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين‏}‏ فإن كانت الطوائف منهم ثلاثاً كما تقدّم، فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية؛ لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي، وعتت عما نهاها الله عنه من ترك النهي عن المنكر‏.‏ ويحتمل أنها لم تمسخ، لأنها وإن كانت ظالمة لنفسها عاتية عن أمر ربها ونهيه، لكنها لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة، وهي صيد الحوت في يوم السبت، ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد‏.‏ وأما إذا كانت الطائفة الثالثة ناهية كالطائفة الثانية، وإنما جعلت طائفة مستقلة لكونها قد جرت المقاولة بينها وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين، فهما في الحقيقة طائفة واحدة لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ‏.‏

وقد أخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال‏:‏ قال موسى‏:‏ يا ربّ أجد أمة أناجيلهم في قلوبهم، قال‏:‏ تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد‏.‏ قال‏:‏ يا ربّ أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهنّ، قال‏:‏ تلك أمة تكون بعدك‏:‏ أمة أحمد‏.‏ قال‏:‏ يا ربّ أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم، فيأكلون، قال‏:‏ تلك أمة بعدك‏:‏ أمة أحمد‏.‏ قال‏:‏ يا ربّ اجعلني من أمة أحمد‏.‏ فأنزل الله كهيئة المرضاة لموسى ‏{‏وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله‏:‏ ‏{‏وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ‏}‏ الآية، قال‏:‏ بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا‏.‏

قال ابن جريج‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إسراءيل اسكنوا الأرض فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 104‏]‏ ووعد الآخرة عيسى ابن مريم‏.‏ قال ابن عباس ساروا في السرب سنة ونصفاً‏.‏

أقول‏:‏ ومثل هذا الخبر العجيب والنبأ الغريب محتاج إلى تصحيح النقل‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال‏:‏ افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة‏.‏ وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، ولتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ‏}‏ فهذه التي تنجو‏.‏ وأما النصارى فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 66‏]‏ فهذه التي تنجو‏.‏ وأما نحن فيقول‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 181‏]‏ فهذه التي تنجو من هذه الأمة‏.‏ وقد قدّمنا أن زيادة «كلها في النار» لم تصح لا مرفوعة ولا موقوفة‏.‏

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏فانبجست‏}‏ قال‏:‏ فانفرجت‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال‏:‏ دخلت على ابن عباس، وهو يقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَاسأَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر‏}‏ قال‏:‏ يا عكرمة هل تدري أيّ قرية هذه‏؟‏ قلت لا، قال‏:‏ هي أيلة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري قال‏:‏ هي طبرية‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قله‏:‏ ‏{‏إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت‏}‏ قال‏:‏ يظلمون‏.‏ وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله‏:‏ ‏{‏شُرَّعًا‏}‏ يقول‏:‏ من كل مكان‏.‏ وأخرج ابن جرير، عنه، أيضاً قال‏:‏ ظاهرة على الماء‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عنه، قال‏:‏ واردة‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه، في الآية قال‏:‏ هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة، يقال لها أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غياً، فقالت طائفة من النهاة يعلمون أن هؤلاء قوم حق عليهم العذاب ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ‏}‏ وكانوا أشدّ غضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ‏}‏ والذين قالوا‏:‏ ‏{‏مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ‏}‏ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، أنهم ثلاث فرق‏:‏ فرقة العصاة، وفرقة الناهون وفرقة القائلين ‏{‏لم تعظون‏}‏؛ فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم، وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون إن للناس لشأناً فانظروا ما شأنهم‏؟‏ فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر القصة، وفي آخرها أنه قال‏:‏ فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا‏.‏ ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها‏.‏ قال عكرمة‏:‏ فقلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم‏.‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ‏}‏ قال فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أيضاً قال‏:‏ نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عنه قال‏:‏ والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا‏}‏ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحبّ إلي مما عدل به‏.‏ وفي لفظ‏:‏ من حمر النعم، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ما أدري أنجا الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ‏}‏ أم لا‏؟‏ قال‏:‏ فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن ليث بن أبي سليم، قال‏:‏ مسخوا حجارة الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ‏}‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏بِعَذَابِ بَئِيس‏}‏ قال‏:‏ أليم وجيع‏.‏